محمد الحاجي.. جائحة كورونا أظهرت للعالم مدى هشاشة النظام الصحي الفرنسي

محمد الحاجي مراسل قناة العربي
الصحفي والإعلامي محمد الحاجي مراسل قناة العربي من باريس

جواد جعواني 

عند اجتياح فيروس كورنا كوفيد 19 للعالم خلال شهري فبراير ومارس 2020 أعلنت العديد من الدول حالة الطوارئ الصحية وأصبح الخروج للشارع إلا للضرورة القصوى كما وجد العديد من الأشخاص أنفسهم في الصفوف الأمامية لمواجهة هذا الوباء منهم الأطباء والممرضون والصحفيون وأفراد الشرطة والعاملون بالقطاعات الحيوية.

وفي هذا الحوار سيحكي لنا الصحفي والإعلامي محمد الحاجي مراسل قناة العربي من باريس عن ظروف الاشتغال والممارسة المهنية في ظل أزمة كرونا حيث سيقربنا من الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية للحد من انتشار الوباء كما سيحدثنا عن الأثار والانعكاسات السلبية التي خلفتها أزمة كورونا على الجاليات العربية المقيمة بفرنسا. 

الصحفي والإعلامي محمد الحاجي
الصحفي والإعلامي محمد الحاجي مراسل قناة العربي من باريس

في البداية سيد الحاجي هل يمكنك أن تحدثنا عن ظروف الاشتغال والممارسة المهنية الصحفية في ظل أزمة كورونا بفرنسا؟ 

مع بداية أزمة كورونا تغير كل شيء كما تعلم تغيرت الظروف بكل مقاييسها، نحن كصحفيون كان لنا الحق في العمل خلال فترة انتشار الفيروس وخلال فترة الحجر المنزلي، لكن في الواقع صعوبات المهنة كانت تبدأ أساسا أننا كنا دوما نساءل من قبل أفراد الشرطة عن أسباب وجودنا بالشارع خاصة وأننا كنا في غالب الأوقات تقوم بإجراء مقابلات مباشرة من الميدان وكان هذا الوضع يشكل لنا إحراجا مع الشرطة في ظل وضع حالة الطوارئ بحيث كان لها الحق في منعنا من ممارسة عملنا حتى وإن كان لدينا بطاقة الصحافة وتراخيص العمل من وزارة الداخلية.

ومن تحديات كورونا أنه كصحفي أشتغل في التلفزيون كنت أصطدم دائما بغياب الضيوف والمتحدثين ولهذا كنت ألجأ لتقنية السكايب SKYPE وإدخالها في التقرير بدل أن يكون التقرير عبارة عن مقابلة وهناك ما يسمى بالتباعد الاجتماعي أي عندما نلتقي بالضيف في الشارع فإننا ملزمون بترك مسافة لا تقل عن متر أو متر ونصف مع استعمال عصا ميكروفون طويلة بالإضافة للكمامات التي كانت إجبارية لنا وللضيف من دون أن ننسى السائل المعقم لليدين، التحديات كانت كبيرة حقيقة مرتبطة أساسا بحالة القلق والتوتر  التي كنا نعيشها خاصة وأننا لأول مرة نواجه أمرا مماثلا، وحالة التوتر هاته كانت بادية علينا وعلى الضيف وعلى المصور والتقني وكل العاملين في التلفزيون، أضف إلى ذلك خوفنا المستمر من نقل العدوى لعائلاتنا ولأطفالنا، وكل هذه الظروف مجتمعة كانت في الحقيقة متعبة وكانت تشكل تحديا إضافيا للصحفي خلال فترة كورونا.

بالحديث عن الخوف من نقل العدوى لعائلاتكم ولأطفالكم بالبيوت حدثنا عن هذا الموضوع وعن تجربتك العائلية في التعاطي مع الفيروس؟

خلال الحجر بما أن زوجتي طبيبة وكانت في الصفوف الأولى لمواجهة الفيروس، كنت مضطرا للبقاء في المنزل مع ابني زين المولود في  11 سبتمر 2018 وككل الفرنسيين كنت ملزما بالحجر المنزلي الالزامي ومما عقد الوضع هو إقفال دور الحضانة، فكنت مجبرا بالتضحية وعناية طفلي والقيام بعملي كصحفي في نفس الوقت، وكانت معاناتي مضاعفة لأنني كنت أرعى ابني وأقوم بدوري كأب وفي نفس الوقت قلق على زوجتي كطبيبة وقلق بخصوص إنجاز التقارير الصحفية وإنجاز الريبورتاجات من الميدان ولهذا كان ابني يرافقني على عربة الأطفال وهو جنبي طيلة عملي وفي مختلف التغطيات والتقارير التي أنجزتها في الشارع وكانت بالنسية لي تجربة جديدة وهي كيف أن تكون أب وصحفي في نفس الوقت مع ابنك في الميدان وهي من أصعب التجارب والتي من الممكن أن تواجه صحفي.

وخلال إحدى التغطيات كنت على الهواء مباشرة وكان ابني يصرخ بجنبي ويناديني مع من تتكلم بحيث صوته سمع على المباشر مما شكل لي إحراجا شديدا وارتباكا كبيرا وهي من المرات النادرة والقليلة التي ارتبكت فيها على الهواء مباشرة، كما أن العديد من أصدقائي وزملائي في العمل كانوا يتساءلون لماذا أخاطر بإخراج إبني للشارع وتعريضه لخطر الفيروس فكنت أجيبهم بأنني ليس لي حل آخر فأنا كصفي يجب أن أقوم بعملي وفي نفس الوقت أقوم بواجبي كأب،  عموما تجربتي معه خلال الحجر الصحي كانت متميزة ومتعبة في نفس الوقت، كما أنها ستبقى في الذكرى لأنه في يوم من الأيام عندما سيكبر سأحكي له عن هذه التجربة وكيف أنه كان معي في مواجهة الوباء في الميدان.

الصحفي والإعلامي محمد الحاجي
الصحفي والإعلامي محمد الحاجي، وظروف الاشتغال والممارسة المهنية في ظل أزمة كرونا

حدثنا عن أهم الاجراءات والتدابير التي اتخذتها فرنسا لمواجهة تداعيات كوفيد 19 ؟

في الحقيقة فرنسا كباقي دول العالم وباعتراف الرئاسة الفرنسية تخبطت في مواجهة فيروس كوفيد 19 الشيء الذي أدى لكشف عورة هذا النظام الصحي وهذه الدول الضخمة التي أظهرت هشاشة في التعاطي مع هذه الكارثة الصحية، ففرنسا مثلا لا زالت لحدود الساعة من أوائل الدول التي توفي فيها أشخاص كثر بسبب الوباء، ولحد اللحظة أعتقد هي الخامسة عالميا من حيث الوفيات، بحيث تخطت عدد الثلاثين ألف وفاة وهو رقم ضخم خلال شهر ونصف فقط ، كما أن السلطات حاولت بكل التدابير من منع للتنقل وحجر صحي وفرض لحالة الطوارئ الصحية واستصدار مخالفات في حق المخالفين والمواطنين الذين يخرقون الحجر الصحي، وكل هذه التدابير كانت جديدة بفرنسا وكان المواطنين الفرنسيين يحاولون تقبلها والتعايش معها، لكن في الحقيقة رغم أن الفرنسيين شعب أوروبي ويعتقد أنهم شعب متحضر إلا أن خرق الحجر الصحي  كان متكررا بحيث تفاجأت السلطة التي تعتمد كما قالت على وعي ومدنية الفرنسيين، اكتشفت أن الوعي والمدنية في فرنسا ليستا من صفات المواطن الفرنسي وهذا كان واضحا في الحقيقة.

ومن بين التدابير الأخرى التي اعتمدتها فرنسا مسألة إغلاق الحدود ومنع التنقل بين المدن الفرنسية مما ساعد في التخفيف من حدة تواجد الفيروس في الشوارع والمدن الفرنسية، ولا زلنا لحدود الآن نحصي الإصابات لكن بشكل أقل بكثير عن الأيام الأولى للفيروس.

الصحفي والإعلامي محمد الحاجي، وظروف الاشتغال والممارسة المهنية في ظل أزمة كرونا
الصحفي والإعلامي محمد الحاجي، وظروف الاشتغال والممارسة المهنية في ظل أزمة كرونا

هل هناك تدابير وإجراءات طالت العاملين بالمؤسسات الاعلامية من صحفيين وتقنيين العاملين في الميدان لتغطية تطورات الوباء؟

نعم لا شك كما ذكرت لك في بداية الحوار كان هناك تدابير معينة اتخذناها نحن بتلقائية يعني أن الكمامات في البداية لم تكن متوفرة ولم تكن مفروضة على الأشخاص ولا على الصحفيين وكانت هي اختيارية، فغيابها مثلا أجبر الحكومة على القول بأن الكمامات غير ضرورية وهي مرحلة وستمر، لكن لاحقا أصبح وضع الكمامة إجباريا. فكما قلت لك مند بداية الوباء اعتمدنا إجراءات وقائية خاصة وتلقائية لوقاية أنفسنا ووقاية الآخرين، منها لبس الكمامة نحن والضيوف والمحاورين، استعمال المعقم وتغطية الميكروفون بالبلاستيك ووضع عصا طويلة بيننا وبين المتحدث في الشارع، فضلا عن عدم الاحتكاك بالضيوف في الشارع مع احترام مسافة الأمان.

تسببت جائحة كورونا في توقف العديد من القطاعات الانتاجية عبر العالم، حدثنا عن انعكاسات هذه الأزمة على الجاليات العربية المقيمة بفرنسا؟

نعم لا يمكننا باي حال من الأحوال فصل الجالية العربية في فرنسا عن باقي الفرنسيين أنفسهم لأنه في الحقيقة المواطن العربي المقيم يحمل صفات الإقامة وبالتالي تأثر بشكل سلبي وهنا سأتحدث لك عن القطاع السياحي الذي يعتبر أحد أهم القطاعات التي تضررت بشكل كبير وهناك أيضا قطاع الحج والعمرة باعتبار الكثير من العرب والمسلمين خاصة من دول المغرب العربي  لديهم مكاتب أسفار للحج والعمرة، فهذه المكاتب أغلقت كليا بسبب إصابة السعودية بأعداد كبيرة بالفيروس وإغلاق دور العبادة من الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف وبالتالي أصبحت هناك إشكالية لهذه المؤسسات التي تشغل أعداد كبيرة من المواطنين، ناهيك عن المطاعم والمقاهي التي يديرها عرب من لبنان وسوريا ومغاربة أيضا  تضرروا بشكل كبير لأن إغلاق المقاهي والمطاعم والتي لازالت  مغلقة لحدود الساعة كان من بين أهم التدابير المتخذة لوقف انتشار الفيروس في فرنسا، من دون أن ننسى أصحاب الورشات والمهن الصغرى وعمال البناء المغاربة والمصريين والتونسيين، كما تسبب الفيروس في فقدان العديد من العرب لمناصب شغلهم في قطاعات أخرى، وبالتالي يمكن القول بأن الجاليات العربية تضررت بشكل كبير من تداعيات فيروس كوفيد 19. 

 أظهرت كورونا أنه لا محيد عن الاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم، كيف تقيم كإعلامي الوضع الصحي والتعليمي عموما في الأوطان العربية مقارنة    ما تعيشه بديار المهجر؟

في الحقيقة قطاعي الصحة والتعليم بديار المهجر متطورين بشكل كبير مقارنة مع الدول العربية، لكن في أزمة كورونا لم يعد هناك من كبير في العالم، المشافي الفرنسية مثلا كشفت بشكل كبير عن ضعفها وبدا جليا مدى هشاشة النظام الصحي الفرنسي والتعليمي أيضا باعتبار أن فرنسا التي تصعب في شروط وامتحانات ولوج كليات الطب، أظهرت أنها اليوم في حاجة لأطباء أجانب وعرب والذين لا يقلون مهنية عن الأطباء الفرنسيين، وهذه الخصوصية الفرنسية المتمثلة في أنه ليس هناك من مجال لأن تكون طبيبا فرنسيا إلا باجتيازك للعديد من المباريات والامتحانات والمعادلات أصبحت اليوم تتكسر على أمواج فيروس كورونا باعتبارها غير صحيحة، بحيث نجد أن الأطباء العرب والمسلمين كانوا هم منذ البداية في مواجهة فيروس كوفيد 19 والكثير منهم أصيب للأسف.

 وشخصيا أعتبر أن النظام الصحي والتعليمي الفرنسي بحاجة لإعادة النظر وإعادة إصلاح مرة أخرى على اعتبار أنه تضرر بشكل كبير رغم ما يمنح ويعطى لهذين القطاعين من أفضلية على مستوى العالم، لكن واضح أنه اليوم يتعرض لهذا النوع من الهشاشة في مواجهة مثل هذه التحديات كجائحة كورنا، غير أنه لا مجال للمقارنة بين النظامين الصحي والتعليمي بفرنسا مع أوطاننا العربية فإن كانت فرنسا تحتاج لإعادة النظر في قطاعي الصحة والتعليم فإن أوطاننا العربية يلزمها العمل على إصلاحات جذرية ومحورية في هذين القطاعين الحيويين.

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*


Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur la façon dont les données de vos commentaires sont traitées.